الشوق الحقيقي
20-06-2002, 02:47 AM
التساؤل عن الأدب العربي بهذه الصيغة تطرح إشكالية المدى والاتجاه . وفي ظني أن إشكالية المدى لن تحل من خلال طرح في ندوة أو محاضرة بل تحتاج إلى عملية نقدية طويلة ربما لا يقوم بها ناقد واحد ، وقد لا تقف عند تحليل النصوص بل تتناول الوظيفة الأدبية ومدى القيام بها .
إذن تبقى إشكالية الاتجاه . وغالباً ما يأتي التساؤل بهذه الصيغة : ( إلى أين ؟ ) في حالة الانبهار بالمستوى أو حالة الاكتئاب واليأس .. فنقول مثلاً عندما نندهش من مستوى الاكتشافات العلمية وما حققته : إلى أين سيصل الإنسان في خيالاته العلمية ؟
في حين إننا نسأل بنفس الصيغة عندما نشاهد المدى المنحط للسلوك الفردي والرذيلة التي وصلت إليها كثيراً من المجتمعات : إلى أين سيصل الانحطاط الأخلاقي في هذا العالم ؟
أما في حالة الاعتدال والوضع الطبيعي فإن السؤال بهذه الصيغة : ( إلى أين ؟ ) لا يأتي , فالسؤال عن الأدب العربي بهذه الصيغة ( إلى أين ؟ ) يدل على أن الوضع غير طبيعي .
وبدون شك فإن المتسائل عن الأدب لم تثره الدهشة من المستوى المرتفع للأدب العربي ولم يشر أحد من النقاد - فيما أعلم – إلى أن الأدب العربي وصل مكانة تدهش بمستواها الرفيع .
إذن السؤال يدل على المستوى المتدني الذي يعيشه الأدب العربي ومحاولة البحث عن طريق للنهوض به . وفي تقديري أن أزمة الأدب العربي تأثرت بشكل مباشر بعاملين أراهما أبرز المؤثرات , ولا أحصر التفسير بهما فقط ولكنهما من أبرز العوامل.
العامل الأول : النظرة لوظيفة الأدب في الحياة .
العامل الثاني : أسلوب التعامل مع النظريات السياسية والفكرية الغربية والشرقية بشقيها الليبرالي الديمقراطي والاشتراكي الماركسي ومدى صلاحيتها للتطبيق في العالم العربي الإسلامي لتشخيص مشكلاته وتفسيرها وتقديم حلول عملية لها .
وبالنسبة للعامل الأول - النظرة لوظيفة الأدب في الحياة - فقد كانت الصبغة الغالبة على الأدب العربي في مطالع العصور الحديثة أنه أدب تعليمي . وإن النهضة الأدبية التي بدأت في العالم العربي منذ أواسط القرن الماضي ، واستحدثت فن المسرح ، وجددت في القصة , كانت في معظم الأحيان تجد الغرض التعليمي هو الحجة الطبيعية لوجودها . ونعني بالغرض التعليمي هنا دلالة الأدب على مغزى خلقي أو اجتماعي أو وطني واضح . والذي يهمنا من هذه الأغراض التعليمية أنه إلى جانب تصوير الفضائل الخالدة كالوفاء والصبر والأمانة ظهرت الدعوة إلى تعديل أسلوب الحياة .
وقد تطور مفهوم الأدب عند طائفة كبيرة من القراء , وهي طائفة المثقفين الذين أصبحوا يعتبرون الأدب غاية لا وسيلة . فهم يريدون من الأدب أن يكون تصويراً للحياة ، يوقظ شعورهم بها لما فيه من كمال فني لا مجرد لفكرة اجتماعية أو غيرها .
ومع هذا المفهوم الجديد استمر الأدب يمارس نوعاً من التأثير في الحياة بطريق غير مباشر , إلا أن مفهوم الأدب عند أنصار الحداثة عندما حصر نفسه في التعبير جعلهم لا يبالون بأن يكونوا غامضين , ولم يعد للأدب دور في الحياة لأن الاتصال بين الأديب والجماهير لا يتحقق بسبب هذا الغموض والرمزية التي لا يستطيع تفسيرها إلا خواص الخواص فمن أين يأتي تأثير الأدب ؟
وقد وصل الفصل بين الأدب والغاية درجة كبيرة عند أعلام الحداثة !!
يقول رولان بارت : الكتابة لا تتوخى شيئا من ورائها , فعل الكتابة فعل لازم وليس متعديا ، على الأقل بالمعنى الذي نستخدمه نحن , لأن الكتابة عندنا خلخلة والخلخلة لا تتعدى ذاتها ، وإن أبسط صورة عن الخلخلة هي العملية الجنسية التي لا تنجب , بهذا المعنى لا تتعدى الكتابة نفسها أنها لا تنجب ولا تولد منتوجاً , والكتابة خلخلة لأنها تتحدد كمتعة إلى أي مدى هبطت الحداثة برسالة الأدب .
إن الأدب السعودي مطالب بطبيعته أن يعيش الواقع السعودي ، أن يتفهم مراحله، أن يساهم في صنع وجدان الأفراد والجماعات للمساهمة في البناء الحضاري للملكة . أين الأدب من تصوير الاستقرار السياسي ؟ أين الأدب من خططنا التنموية ؟ أين الأدب من تجاربنا التعليمية ؟ أين الأدب من تجربة المرأة السعودية التي تتميز في العالم كله بتعليم خاص بها ؟ أين الأدب من النهضة الزراعية ؟ أين الأدب من المشروعات الصناعية ؟ أين الأدب من كل هذا ؟؟؟
قد يتبادر إلى الأذهان أنني أطالب الأدباء أن يكون إبداعهم في مجال الدعاية والتمجيد لهذه المنجزات !
مهلاً ... لا أعني هذا وإن كان الأدب مطالب في بعض جوانبه مطالب بتصوير هذا الواقع ، إلا أن الذي أعنيه بالدرجة الأولى بدور الأدب هنا أن المواطن هو أساس الخطط التنموية وأساس النهضة التي نعيشها , وإذا استطاع الأدب أن يداعب وجدان المواطن وأن يشعره بدفق الحياة ودوره البطولي في البناء فسيرتفع مستوى العطاء ويصبح المواطن يؤدي واجباته دون عناء بل يستلذ بالقيام بالواجب .
فمن حقي أن أقول أين الأدب السعودي من هذا الدور الهام , إذا علمنا بقوة العلاقة بين الأديب والقارئ .
وبإمكان الأدب أن يمارس دوره أيضا في التقويم والتوجيه للممارسة التنموية عندما يظهر التقصير وبأسلوب أرقى من التوجيه المباشر الذي يمارسه غير الأدباء .... هذا بالنسبة لوظيفة الأدب .
أما بالنسبة للعامل الثاني وهو أسلوب التعامل مع النظريات السياسية والفكرية الغربية والشرقية فإن الأمر فيه يكتنفه كثير من الغموض والضبابية مما جعل الرؤية تضطرب , وأدى إلى انعكاسات سلبية في واقع الحياة في المجتمعات العربية المسلمة , وتناولنا لهذه النظريات ينبغي أن يشمل ما وصل إلينا منها مع المستعمر عندما قدم ، وما أخذناه بأنفسنا لمحاولة النهوض اعتماداً عليه لمواجهة المستعمر . وأكثر نقاط الغموض في هذه القضية هي قضية التصور للمنهج الذي نتعامل من خلاله مع تلك النظريات .
وأول نقطة في المنهج : أن التصور للأجزاء العملية الحياتية غير واضحة فتحديد الأجزاء الثلاثة للعملية : ( المنطلق - الوسيلة – الغاية ) فيها خلط كثير, فمنطلقاتنا في النهضة العربية ينبغي أن تعتمد على تصوراتنا الخاصة لطبيعة الحياة وثوابتها وأصولها , وهي التي تحدد الإطار العام الذي ننطلق منه، ومثله الجزء الثالث من العملية ( الغاية ) تحدد من تصورات خاصة بنا تعتمد على ذاتيتنا وهويتنا العربية التي تشكلها عقيدة الأمة .
أما الجزء الثاني وهو الوسائل التي نستخدمها لتحقيق غاياتنا فهي أمور واسعة والمجال فيها متاح للنقل والاستفادة من كل المنجزات العلمية في مختلف الحضارات بشرط تحقق العلمية والبعد عن الإطار الفكري الذي نشأت فيه . فالعلوم الإنسانية جميعاً بينها شبكة من التداخل والتعاون , بل إنها استفادت من نتائج العلوم الطبيعية وبإمكاننا أن نستفيد من كل ذلك بعيداً عن الانحرافات الفكرية التي تنطلق منها أو ترمي إليها .
وواقع العالم العربي الإسلامي في علاقته بتلك النظريات لم يتحرر من الأيديولوجيات التي حكمت النظريات ووجهتها فوجد في العالم العربي من يتبنى العلمانية بشقيها الشرقي والغربي , بل وجد من العلماء المسلمين من اختلط عليه الأمر ولم يفرق بين إمكانية الاستفادة من الحقائق العلمية المستخدمة عند الشرق أو الغرب وبين اخذ المذهب الفكري بكامله ، وكل هذه الأطروحات الفكرية انعكست في الأدب العربي مما أصابه بالاضطراب والتبعية الفكرية في كثير من الأحيان ولا يخفى عليكم أن عدداً كبيراً من مفكري العالم العربي يصرح بتبعيته لتيارات فكرية مخالفة لمنطلقات الأمة العربية وغاياتها ومع ذلك يتصور أنه يخدم القضايا العربية .
___________________
يتبع
إذن تبقى إشكالية الاتجاه . وغالباً ما يأتي التساؤل بهذه الصيغة : ( إلى أين ؟ ) في حالة الانبهار بالمستوى أو حالة الاكتئاب واليأس .. فنقول مثلاً عندما نندهش من مستوى الاكتشافات العلمية وما حققته : إلى أين سيصل الإنسان في خيالاته العلمية ؟
في حين إننا نسأل بنفس الصيغة عندما نشاهد المدى المنحط للسلوك الفردي والرذيلة التي وصلت إليها كثيراً من المجتمعات : إلى أين سيصل الانحطاط الأخلاقي في هذا العالم ؟
أما في حالة الاعتدال والوضع الطبيعي فإن السؤال بهذه الصيغة : ( إلى أين ؟ ) لا يأتي , فالسؤال عن الأدب العربي بهذه الصيغة ( إلى أين ؟ ) يدل على أن الوضع غير طبيعي .
وبدون شك فإن المتسائل عن الأدب لم تثره الدهشة من المستوى المرتفع للأدب العربي ولم يشر أحد من النقاد - فيما أعلم – إلى أن الأدب العربي وصل مكانة تدهش بمستواها الرفيع .
إذن السؤال يدل على المستوى المتدني الذي يعيشه الأدب العربي ومحاولة البحث عن طريق للنهوض به . وفي تقديري أن أزمة الأدب العربي تأثرت بشكل مباشر بعاملين أراهما أبرز المؤثرات , ولا أحصر التفسير بهما فقط ولكنهما من أبرز العوامل.
العامل الأول : النظرة لوظيفة الأدب في الحياة .
العامل الثاني : أسلوب التعامل مع النظريات السياسية والفكرية الغربية والشرقية بشقيها الليبرالي الديمقراطي والاشتراكي الماركسي ومدى صلاحيتها للتطبيق في العالم العربي الإسلامي لتشخيص مشكلاته وتفسيرها وتقديم حلول عملية لها .
وبالنسبة للعامل الأول - النظرة لوظيفة الأدب في الحياة - فقد كانت الصبغة الغالبة على الأدب العربي في مطالع العصور الحديثة أنه أدب تعليمي . وإن النهضة الأدبية التي بدأت في العالم العربي منذ أواسط القرن الماضي ، واستحدثت فن المسرح ، وجددت في القصة , كانت في معظم الأحيان تجد الغرض التعليمي هو الحجة الطبيعية لوجودها . ونعني بالغرض التعليمي هنا دلالة الأدب على مغزى خلقي أو اجتماعي أو وطني واضح . والذي يهمنا من هذه الأغراض التعليمية أنه إلى جانب تصوير الفضائل الخالدة كالوفاء والصبر والأمانة ظهرت الدعوة إلى تعديل أسلوب الحياة .
وقد تطور مفهوم الأدب عند طائفة كبيرة من القراء , وهي طائفة المثقفين الذين أصبحوا يعتبرون الأدب غاية لا وسيلة . فهم يريدون من الأدب أن يكون تصويراً للحياة ، يوقظ شعورهم بها لما فيه من كمال فني لا مجرد لفكرة اجتماعية أو غيرها .
ومع هذا المفهوم الجديد استمر الأدب يمارس نوعاً من التأثير في الحياة بطريق غير مباشر , إلا أن مفهوم الأدب عند أنصار الحداثة عندما حصر نفسه في التعبير جعلهم لا يبالون بأن يكونوا غامضين , ولم يعد للأدب دور في الحياة لأن الاتصال بين الأديب والجماهير لا يتحقق بسبب هذا الغموض والرمزية التي لا يستطيع تفسيرها إلا خواص الخواص فمن أين يأتي تأثير الأدب ؟
وقد وصل الفصل بين الأدب والغاية درجة كبيرة عند أعلام الحداثة !!
يقول رولان بارت : الكتابة لا تتوخى شيئا من ورائها , فعل الكتابة فعل لازم وليس متعديا ، على الأقل بالمعنى الذي نستخدمه نحن , لأن الكتابة عندنا خلخلة والخلخلة لا تتعدى ذاتها ، وإن أبسط صورة عن الخلخلة هي العملية الجنسية التي لا تنجب , بهذا المعنى لا تتعدى الكتابة نفسها أنها لا تنجب ولا تولد منتوجاً , والكتابة خلخلة لأنها تتحدد كمتعة إلى أي مدى هبطت الحداثة برسالة الأدب .
إن الأدب السعودي مطالب بطبيعته أن يعيش الواقع السعودي ، أن يتفهم مراحله، أن يساهم في صنع وجدان الأفراد والجماعات للمساهمة في البناء الحضاري للملكة . أين الأدب من تصوير الاستقرار السياسي ؟ أين الأدب من خططنا التنموية ؟ أين الأدب من تجاربنا التعليمية ؟ أين الأدب من تجربة المرأة السعودية التي تتميز في العالم كله بتعليم خاص بها ؟ أين الأدب من النهضة الزراعية ؟ أين الأدب من المشروعات الصناعية ؟ أين الأدب من كل هذا ؟؟؟
قد يتبادر إلى الأذهان أنني أطالب الأدباء أن يكون إبداعهم في مجال الدعاية والتمجيد لهذه المنجزات !
مهلاً ... لا أعني هذا وإن كان الأدب مطالب في بعض جوانبه مطالب بتصوير هذا الواقع ، إلا أن الذي أعنيه بالدرجة الأولى بدور الأدب هنا أن المواطن هو أساس الخطط التنموية وأساس النهضة التي نعيشها , وإذا استطاع الأدب أن يداعب وجدان المواطن وأن يشعره بدفق الحياة ودوره البطولي في البناء فسيرتفع مستوى العطاء ويصبح المواطن يؤدي واجباته دون عناء بل يستلذ بالقيام بالواجب .
فمن حقي أن أقول أين الأدب السعودي من هذا الدور الهام , إذا علمنا بقوة العلاقة بين الأديب والقارئ .
وبإمكان الأدب أن يمارس دوره أيضا في التقويم والتوجيه للممارسة التنموية عندما يظهر التقصير وبأسلوب أرقى من التوجيه المباشر الذي يمارسه غير الأدباء .... هذا بالنسبة لوظيفة الأدب .
أما بالنسبة للعامل الثاني وهو أسلوب التعامل مع النظريات السياسية والفكرية الغربية والشرقية فإن الأمر فيه يكتنفه كثير من الغموض والضبابية مما جعل الرؤية تضطرب , وأدى إلى انعكاسات سلبية في واقع الحياة في المجتمعات العربية المسلمة , وتناولنا لهذه النظريات ينبغي أن يشمل ما وصل إلينا منها مع المستعمر عندما قدم ، وما أخذناه بأنفسنا لمحاولة النهوض اعتماداً عليه لمواجهة المستعمر . وأكثر نقاط الغموض في هذه القضية هي قضية التصور للمنهج الذي نتعامل من خلاله مع تلك النظريات .
وأول نقطة في المنهج : أن التصور للأجزاء العملية الحياتية غير واضحة فتحديد الأجزاء الثلاثة للعملية : ( المنطلق - الوسيلة – الغاية ) فيها خلط كثير, فمنطلقاتنا في النهضة العربية ينبغي أن تعتمد على تصوراتنا الخاصة لطبيعة الحياة وثوابتها وأصولها , وهي التي تحدد الإطار العام الذي ننطلق منه، ومثله الجزء الثالث من العملية ( الغاية ) تحدد من تصورات خاصة بنا تعتمد على ذاتيتنا وهويتنا العربية التي تشكلها عقيدة الأمة .
أما الجزء الثاني وهو الوسائل التي نستخدمها لتحقيق غاياتنا فهي أمور واسعة والمجال فيها متاح للنقل والاستفادة من كل المنجزات العلمية في مختلف الحضارات بشرط تحقق العلمية والبعد عن الإطار الفكري الذي نشأت فيه . فالعلوم الإنسانية جميعاً بينها شبكة من التداخل والتعاون , بل إنها استفادت من نتائج العلوم الطبيعية وبإمكاننا أن نستفيد من كل ذلك بعيداً عن الانحرافات الفكرية التي تنطلق منها أو ترمي إليها .
وواقع العالم العربي الإسلامي في علاقته بتلك النظريات لم يتحرر من الأيديولوجيات التي حكمت النظريات ووجهتها فوجد في العالم العربي من يتبنى العلمانية بشقيها الشرقي والغربي , بل وجد من العلماء المسلمين من اختلط عليه الأمر ولم يفرق بين إمكانية الاستفادة من الحقائق العلمية المستخدمة عند الشرق أو الغرب وبين اخذ المذهب الفكري بكامله ، وكل هذه الأطروحات الفكرية انعكست في الأدب العربي مما أصابه بالاضطراب والتبعية الفكرية في كثير من الأحيان ولا يخفى عليكم أن عدداً كبيراً من مفكري العالم العربي يصرح بتبعيته لتيارات فكرية مخالفة لمنطلقات الأمة العربية وغاياتها ومع ذلك يتصور أنه يخدم القضايا العربية .
___________________
يتبع