المشتاق
08-05-2002, 06:53 PM
وقفت على الأطلال
كنت وأنا صغير أقرأ بعض القصائد التي يتغنى أصحابها بالوقوف على الأطلال، وكنت أعجب من كثرة وقوفهم على الأطلال، ولا أعرف لهذا سبباً، وكيف ينادم الشاعر الأطلال؟ وكيف تقول له ويقول لها؟ ومنها:
◄ قول إمرؤ القيس:
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
◄ومنه أيضاً: قول لبيد بن ربيعة :
عفت الديـار محلُّها فمقامُهـا بمنى تأبـد غولهـا فرجامهـا
فمدافع الريان عـرى رسمهـا خلقـاً كما ضمن الوجى سِلامُها
دمن تجرَّم بعد عهـد أنيسهـا حججٌ خلـون حـلالها وحرامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ودْقُ الرواعـد جودهـا فرهامها
◄ أما ذو الرمة، فقد أنطق الأحجار، وهو واقف على الأطلال:
وقفت علي ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كـاد مما أبثه تكلمني أحجـاره وملاعبـه
ولكني اليوم وقفت على الأطلال، ولو كنت أقرض الشعر؛ لقلت كما قالوا، وربما زدت..وقفت على أطلال في بلد مهجور لا يعرف، بل عرف بأحد ساكنيه الأماجد.. وما عرفت لماذا أسير إلى هذه القرية، وتذكرت وأنا أسير قول عنترة :
أمـر على الديار ديار ليلى أقبـل ذا الجدار وذا الجدار
ومـا حب الديار شغلن قلبي ولكن حب مـن سكن الديار
وعجبت من نفسي: لماذا أسير لتلك القرية؟ وقد خلت من روحها وريحانتها ؟
ولكنه الوقوف على الأطلال، وتذكر الأحبة ..اقتربت من البيت الذي كنت أزوره فيه
فقال : قف إلى أين تسير يا هذا ؟!
قلت : بيت كنت آتيه .
قال : كُنت، وقد أقفر اليوم، فعلام المسير ؟
قلت : رفقاً بي أيها الدار .
قال : ارفق بنفسك، وارجع، فكم وقف مكانك أناس وقد بكوا على ساكنها، فلا تهلك نفسك .
قلت : حدثني.. أخبرني عن صاحب الدار .
قال : عن أي شيء أحدثك؟ أحدثك عن الأسد في براثنه؟ بل الأسد أشبه به فهو أشجع .. أحدثك عن فنائي الذي كان يملىء بالرجال الصالحين.. يسمعون لهذا الشيخ الضرير النحيل القصير.. وما ضره فَقْدُ بصره، فقد أوتي بصيرة ثاقبة، وفهماً سديداً .. وكنت أسمعه يترنم أحيانا بقول ابن عباس رضي الله عنهما:
إن أذهب الله من عينيّ نورهمـا ففـي فؤادي وقلبي منهما نـورُ
عقلي ذكيٌ وقلبي ما حوى دخلاً وفـي فمي صارمٌ كالسيفُ مسلولُ
وما ضره النحل، ولا القصر، فقد قيل فيمن هو دونه:
تـرى الرجل النحيل فتزدريه وفـي أضماره أسـد هصـور
قلت : أأتحدث عن أسامة؟
قال : إذا عنيت أسامة البشر فهو شعرة في جلد الأسد، وإن كنت تعنى أسامة البهم، فهو الليث، والغضنفر، والأسد، بل أشجع وأسد .
قلت : حدثني .
قال : لقد بكى الناس أدمعاً وبكيت حتى سالت مقلتي .. أأحدثك عن خلوف الصوم، أم بكاء السحر؟ كم كنت آنس به في صبح ومساء .. كم منكر أنكره وبينه، فرحم الله به العباد من طير أبابيل، أو حجارة من سجيل، أو عذاب عام.. }وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ(31){ [سورة المدثر].
كم من عدو لله بيّن فسقه وفجوره وحذر الأمة من باطله .
كنت أراه يبتسم في بعض المواقف، فأتذكر قول الأول:
إذا رأيت نيوب الليث بـارزة فـلا تظنـن أن الليث يبتسم
قلت : كيف مات الشيخ؟
قال : كان الناس يتتبعون أخبار المجاهدين بأسماعهم، وتنقل لهم أخبارهم، وكانت روحه هناك في أرض العزة والكرامة .. كان يعيش بينهم بروح مكلومة على خذلان الناس لهم.. يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويبكي لمصابهم، وكان ينصح لهم ولغيرهم.
حمل همهم في صدره، فلما خذلهم الناس قاطبة حتى من كانت ترجى نصرته؛ اشتد مرضه، وزاد همه وغمه، فمات الشيخ الإمام .
قلت : ولكنه كان في أتم صحة قبل موته .
قال : أولم تسمع أن سفيان كان يبول دماً إذا لم يقدر على إنكار منكر حتى تلفت كبده ؟؟
قلت : بلى .
قال : فهذا روحه كانت تسيل من بين جنبيه،؛حزناً على إخوانه، كنتَ تراه يبتسم وروحه في أرض الجهاد .
قلت : فقدتَ عزيزاً
قال : فقدت أباً حانيا.. ومعلماً ربانياً .. وفقيهاً متبحراً.. وجبل العقيدة.. ومجاهداً صنديداً.. ومتنسكاً متبتلاً . بدأت أسمع للبيت نحيباً كنحيب الطفل الذي فقد أمه .
سالت دموعي على وجنتي .. أقفلت راجعاً وأنا أنظر إلى اللوحة التي كتب عليها بلدة الشُقة:"مزرعة الشيخ حمود العقلا الشعيبي" ... رحم الله الشيخ الإمام، وقدس روحه، ونور ضريحه .. آمين
الشيخ عبد الرحمن الهرفي
http://www.islammemo.com/tamolat/tamolat_39.htm
كنت وأنا صغير أقرأ بعض القصائد التي يتغنى أصحابها بالوقوف على الأطلال، وكنت أعجب من كثرة وقوفهم على الأطلال، ولا أعرف لهذا سبباً، وكيف ينادم الشاعر الأطلال؟ وكيف تقول له ويقول لها؟ ومنها:
◄ قول إمرؤ القيس:
قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
◄ومنه أيضاً: قول لبيد بن ربيعة :
عفت الديـار محلُّها فمقامُهـا بمنى تأبـد غولهـا فرجامهـا
فمدافع الريان عـرى رسمهـا خلقـاً كما ضمن الوجى سِلامُها
دمن تجرَّم بعد عهـد أنيسهـا حججٌ خلـون حـلالها وحرامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها ودْقُ الرواعـد جودهـا فرهامها
◄ أما ذو الرمة، فقد أنطق الأحجار، وهو واقف على الأطلال:
وقفت علي ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كـاد مما أبثه تكلمني أحجـاره وملاعبـه
ولكني اليوم وقفت على الأطلال، ولو كنت أقرض الشعر؛ لقلت كما قالوا، وربما زدت..وقفت على أطلال في بلد مهجور لا يعرف، بل عرف بأحد ساكنيه الأماجد.. وما عرفت لماذا أسير إلى هذه القرية، وتذكرت وأنا أسير قول عنترة :
أمـر على الديار ديار ليلى أقبـل ذا الجدار وذا الجدار
ومـا حب الديار شغلن قلبي ولكن حب مـن سكن الديار
وعجبت من نفسي: لماذا أسير لتلك القرية؟ وقد خلت من روحها وريحانتها ؟
ولكنه الوقوف على الأطلال، وتذكر الأحبة ..اقتربت من البيت الذي كنت أزوره فيه
فقال : قف إلى أين تسير يا هذا ؟!
قلت : بيت كنت آتيه .
قال : كُنت، وقد أقفر اليوم، فعلام المسير ؟
قلت : رفقاً بي أيها الدار .
قال : ارفق بنفسك، وارجع، فكم وقف مكانك أناس وقد بكوا على ساكنها، فلا تهلك نفسك .
قلت : حدثني.. أخبرني عن صاحب الدار .
قال : عن أي شيء أحدثك؟ أحدثك عن الأسد في براثنه؟ بل الأسد أشبه به فهو أشجع .. أحدثك عن فنائي الذي كان يملىء بالرجال الصالحين.. يسمعون لهذا الشيخ الضرير النحيل القصير.. وما ضره فَقْدُ بصره، فقد أوتي بصيرة ثاقبة، وفهماً سديداً .. وكنت أسمعه يترنم أحيانا بقول ابن عباس رضي الله عنهما:
إن أذهب الله من عينيّ نورهمـا ففـي فؤادي وقلبي منهما نـورُ
عقلي ذكيٌ وقلبي ما حوى دخلاً وفـي فمي صارمٌ كالسيفُ مسلولُ
وما ضره النحل، ولا القصر، فقد قيل فيمن هو دونه:
تـرى الرجل النحيل فتزدريه وفـي أضماره أسـد هصـور
قلت : أأتحدث عن أسامة؟
قال : إذا عنيت أسامة البشر فهو شعرة في جلد الأسد، وإن كنت تعنى أسامة البهم، فهو الليث، والغضنفر، والأسد، بل أشجع وأسد .
قلت : حدثني .
قال : لقد بكى الناس أدمعاً وبكيت حتى سالت مقلتي .. أأحدثك عن خلوف الصوم، أم بكاء السحر؟ كم كنت آنس به في صبح ومساء .. كم منكر أنكره وبينه، فرحم الله به العباد من طير أبابيل، أو حجارة من سجيل، أو عذاب عام.. }وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ(31){ [سورة المدثر].
كم من عدو لله بيّن فسقه وفجوره وحذر الأمة من باطله .
كنت أراه يبتسم في بعض المواقف، فأتذكر قول الأول:
إذا رأيت نيوب الليث بـارزة فـلا تظنـن أن الليث يبتسم
قلت : كيف مات الشيخ؟
قال : كان الناس يتتبعون أخبار المجاهدين بأسماعهم، وتنقل لهم أخبارهم، وكانت روحه هناك في أرض العزة والكرامة .. كان يعيش بينهم بروح مكلومة على خذلان الناس لهم.. يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويبكي لمصابهم، وكان ينصح لهم ولغيرهم.
حمل همهم في صدره، فلما خذلهم الناس قاطبة حتى من كانت ترجى نصرته؛ اشتد مرضه، وزاد همه وغمه، فمات الشيخ الإمام .
قلت : ولكنه كان في أتم صحة قبل موته .
قال : أولم تسمع أن سفيان كان يبول دماً إذا لم يقدر على إنكار منكر حتى تلفت كبده ؟؟
قلت : بلى .
قال : فهذا روحه كانت تسيل من بين جنبيه،؛حزناً على إخوانه، كنتَ تراه يبتسم وروحه في أرض الجهاد .
قلت : فقدتَ عزيزاً
قال : فقدت أباً حانيا.. ومعلماً ربانياً .. وفقيهاً متبحراً.. وجبل العقيدة.. ومجاهداً صنديداً.. ومتنسكاً متبتلاً . بدأت أسمع للبيت نحيباً كنحيب الطفل الذي فقد أمه .
سالت دموعي على وجنتي .. أقفلت راجعاً وأنا أنظر إلى اللوحة التي كتب عليها بلدة الشُقة:"مزرعة الشيخ حمود العقلا الشعيبي" ... رحم الله الشيخ الإمام، وقدس روحه، ونور ضريحه .. آمين
الشيخ عبد الرحمن الهرفي
http://www.islammemo.com/tamolat/tamolat_39.htm